أبي حيان التوحيدي
171
المقابسات
قلت : فما المنطق ؟ قال : آلة بها يقع الفصل والتمييز بين ما يقال : هو حق أو باطل ، فيما يعتقد ، وبين ما يقال : هو خير أو شر ، فيما يفعل ، وبين ما يقال : هو صدق أو كذب ، فيما يطلق باللسان ، وبين ما يقال : هو حسن أو قبيح بالفعل قلت : فهل يعين أحدهما صاحبه ؟ قال : نعم ، وأي معونة إذا اجتمع المنطق العقلي والمنطق الحسى ؟ فهو الغاية والكمال ! قال : ويجب أن تعلم أن فوائد النحو مقصورة على عادة العرب بالقصد الأول ، قاصرة عن عادة غيرهم بالقصد الثاني . والمنطق مقصور على عادة جميع أهل العقل من أي جيل كانوا وبأي لغة أبانوا ، إلا أن يتعذر [ وجود ] أسماء عند قوم وتوجد عند قوم ، فحينئذ الحال في التقصير يتورك على تعذر الأسماء أو على وضعها على الخلاف ، إما بالتواطؤ والاصطلاح ، وإما بالطبع والاسماع . قال : وبالجملة ، النحو يرتب اللفظ ترتيبا يؤدى إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية ، والمنطق يرتب المعنى ترتيبا يؤدى [ إلى ] الحق المعترف به من غير عادة سابقه . والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل ، والشهادة في النحو مأخوذة من العرف ، ودليل النحو طباعى ، ودليل المنطق عقلي . والنحو مقصور ، والمنطق مبسوط . والنحو يتبع ما في طباع العرب ، وقد يعتريه الاختلاف ، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس . وهو مستمر على الائتلاف . والحاجة إلى النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق ، كما أن الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر من الحاجة إلى البلاغة ، لأن ذلك أول ، وهذا ثان . والنحو أول مباحث الانسان ، والمنطق آخر مطالبه . وكل إنسان منطقي بالطبع الأول ، ولكن يذهب عن استنباط ما عنده بالاهمال ، وليس